مجموعة مؤلفين

337

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وقد فطن بعض خصوم ابن عربى إلى ما تحدثه الخلوات ، وما يكون فيها من جوع وصمت وسهر وذكر متواصل ، من قول بوحدة الوجود ، التي تنتفى معها التفرقة بين العالم الخارجي وبين اللّه ، ومن هؤلاء الذهبي في كتابه « ميزان الاعتدال » حيث يقول ما نصه : « وما عندي أن محيي الدين ( ابن عربى ) تعمد كذبا ، ولكن أثرت فيه تلك الخلوات والجوع فسادا وخيالا ، وطرف جنون . وصنف التصانيف في تصوف الفلاسفة وأهل الوحدة فقال أشياء منكرة ، عدها طائفة من العلماء مروقا وزندقة ، وعدها طائفة من العلماء من إشارات العارفين ورموز السالكين ، وعدها طائفة من متشابه القول ، وأن ظاهرها كفر وضلال ، وباطنها حق وعرفان ، وأنه صحيح في نفسه كبير القدر « 1 » » . ومع أن كلام الذهبي فيه من التحامل ما فيه على ابن عربى ، إلا أن أهميته راجعة إلى أنه يربط بين آراء ابن عربى في التصوف وبين أثر الرياضات العملية التي كان يمارسها في حياته من الناحية السيكولوجية . ولعل ابن تيمية كان أكثر توفيقا من الذهبي في الإبانة ، من الناحية السيكولوجية ، عن الارتباط الوثيق بين رياضات الصوفية من أصحاب الوحدة الوجود كابن عربى ، وبين مذاهبهم النظرية ، وذلك حين يقول ما نصه : « ولكن هذه الحال ( حال الغيبة ) تعترى كثيرا من السالكين ، يغيب أحدهم عن شهود نفسه وغيره من المخلوقات ، وقد يسمون هذا فناء واصطلاما ، وهذا فناء عن شهود تلك المخلوقات ، لا أنها في أنفسها فنيت . . ومن هنا دخلت طائفة في الاتحاد والحلول ، فأحدهم قد يذكر اللّه حتى يغلب على قلبه ذكر اللّه ، ويستغرق في ذلك ، فلا يبقى له مذكور مشهود لقلبه إلا اللّه ( هذا هو عين ما يقرره ابن عربى ، ومرّ بك ذكره ) ، ويفنى ذكره وشهوده لما سواه ، فيتوهم أن الأشياء قد فنيت ، وأن نفسه فنيت ، حتى

--> ( 1 ) الذهبي : ميزان الاعتدال ، القاهرة 1325 ه ، ج 3 ، ص 108 - 109 .